أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
الحمدُ لله ذي العزّة والإكرام والعزّة التي لا تُرام أحمد ربي وأشكره على عظيم الإنعام وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له الملك القدّوس السلام، وأشهد أن نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله المبعوث رحمةً للأنام اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبه الكرام.
فاتَّقواحقَّ تقواه وتمسَّكوا بها فنِعمَ العملُ والذُّخر والفَوز في دنيا العبدِ وأخراه.
أيّها الأحبة فى الله غفر الله لى ولكم وطبتم وطاب ممشاكم ووكانت الجنة لكم موطناً بعد علمكم بيقين موتكم وحصلتم من ربكم عبلا الفردوي منزلاً واكرمكم بحور العين تكون زوجكم وأمدكم بلحم طير طعامكم وكنتم نت الناظرين إلى وجه ربكم فلايعذبكم بعدها أبداً
إعلموا غفاكم الله أن الله تعالى خلقَ الخَلقَ لتنفُذَ فيهم قدرتُه جل شأنه وتجرِيَ عليهم أحكامُه الشَّرعيّة والقدَريّةوالازليه وذلك لقوله تعالى فى سورة الانعام
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
خلَقَ الكونَ سبحانه بما فيه من عجائب ليُطاعَ
ويُعمَر الكونُ بالصَّلاح والفلاح وجعَل الله للمكلَّفين مشيئةً واختِيارًا وتّكليفَ كلفهم بها جب وعلا
ومن هنا ندرك جيداً أن العبدُ بتلك المشيئةِ لا يخرُج عن قدرةِ الله ومشيئتِه فمَن وافقَ مرادَ الله المحبوبَ لَه وعمِل بالحقّ الذي لأجلِه خلَقَ الكونَ، وأطاع ربَّه جَزاه الله الجزاءَ الحسَن في الدنيا وفي الآخرة لقوله سبحانه تعالى فى سورة النحل:
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
ومَن ضادَّ مُرادَ الله المحبوبَ له، وعارَضَ شريعةَ الإسلام وعصَى ربَّه، عاقبَه الله في الدنيا والآخرة، قال عزّ وجل فى سرؤة طه:
فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
وأعمالُ العِباد يُحصيها عليهم جل وعلا صَغيرُها وكبيرُها ليُحاسب عليها الخلائق كما قال عز وجل فى شورة النجم:
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
فالجزاءُ الحَقِيقيّ الدّائمُ في الآخِرة لأنها دار المقامة والدار الباقيه وأمّا الدّنيا وإن كان فيها جَزاءٌ على الخير أو على الشرّ فإنّه جزاءٌ قليل وجزاء منقطِع تتصرّم أيّامُه وتسرِعُ ساعاتُه حتّى إنّ عُمرَ الدنيا كلِّها يراه العُصاةُ مِقدارَ ساعةٍ من نهارٍ إستمع إلى قوله تعالىفى سورة الروم: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ
وهبا بنا نرى ذلك جلياً واضحاً فى سورة يونس:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ
ولكنَّ الجزاءَ الأبديَّ السّرمديّ الذي لا ينقطِع في الآخرةِ؛ إمّا دارُ نعيم وإمّا دار جحيم.
والجزاءُ بالجنّة على الأعمالِ الصالحة والعقابُ بالنار على الأعمالِ الشّرِّيرة، في غايةِ المناسَبَة والمجانسة والعدل من رب العالمين، فإنّ الجزاءَ من جِنس العمَل، فكلمّا كانَت الأعمالُ صّالحة كان الجزاء أعظم، ولمّا كانَت الأعمالُ الصّالحة تتنوّعُ في حقائقِها ومنافِعِها، كان نعيمُ الجنّة منوَّعًا في حقائقِه ومنافِعه وطُعومِه ولذّاتِه، ولما عَبَد أهلُ الجنّةِ ربَّهم بالغَيب ولم يرَوه تجلَّى الله لهم، فأكرَمهم بلذَّة النظر إلى وجهِه الكريم، وأسمَعهم جلالَ كلامِه العظيم، ولمّا علِم الله مِنهم العَزمَ والتَّصمِيم والإرادةَ الجَازِمة على دَوام عبادةِ الله وطَاعتِه أبدًا، أدامَ الله عليهم النّعيمَ المقيمَ، هذا جزاء الطائعين لربهم إنظر معى فوله تعالى فى سورة الكهف ترى العجب العُجاب:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً
ولما كانَت الأعمالُ الشرِّيرة تتنوَّع في حقائِقها المُرَّة ومَضارّها وخُبثِها وشَرِّها على الناس وعلى الكون كانَ عذابُ النار منوَّعًا في شِدَّتِه وألمِه ومَرارتِه بحسَب الأعمال ولما حجَبوا قلوبَهم عنِ الهدَى والإيمانِ احتجَب الله عن أهل النار فلا يرَونَه قال تعالى فى سورة المطففين:
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
ولما علِم الله أنّ أهلَ النّار دائمو العَزمِ والإرادة على الكفرِ والمعاصي، وأنهم إِن رُدّوا إلى الدنيا عَادوا إلى الكفرِ والمعَاصي لما علِم الله منهم ذلك أدامَ عليهم العذابَ الأليمَ قال عز وجلّ:
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
إنَّ أصفَى ساعاتِ المسلم وأفضلَها وأرقى درجاتِه أن يستوليَ على قلبه الطمَعُ في الجنةِ والخوفُ من النار، وقد كان السّلفُ الصالح رضي الله عنهم يغلِب على قلوبهم الخوفُ من النّار والطمعُ في الجنّة، فصَلحت أعمَالهم واستنارت سرائرهم.
هذا عبدُ الله بنُ رواحة رضى الله عنه يودِّع أصحابَه في غزوةِ مؤتَة فيبكِي ويقال له: ما يبكِيك؟ فقال:
والله ما أبكيانى فراق ولا وشئ من الدنيا ولاجزَعًا على من فيها ولكن ذكَرتُ قولَ الله تعالى فى سورة مريم:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا
فكيف لي بالصَّدرِ بعد الورود؟ يا الله
صدقو ما عاهدوا الله عليه
رباهم رسول الله وهذا هو
وعُمير بن الحمام لما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ بَدر:
(قوموا إلى جنّةٍ عرضُها السموات والأرض)
كان في يدِه تمراتٌ فرمى بهنّ وقال:
لئِن بقيتُ حتى آكلَ تمراتي هذه إنها لحياةٌ طَويلة، فقاتل حتى قُتِل
.وأنسُ بن النّضر قال:
(إني لأجِدُ ريحَ الجنّةِ مِن دونِ أُحُد)
والكلامُ عنهم في هذا يطول ونحن بحاجةٍ إلى ذكر الجنة والنّار في قلوبِنا ونوادينا وفي ليلنا ونهارنا لتستقيمَ أحوالنا وتصلح أعمالُنا، ولا سيّما في هذا العصرِ الذي طغت فيه المادّة، وتظاهرت الفتَن، وقلَّ الناصحُ، وضعُف الإيمان، وتزيّنت الدنيا بزُخرفها وزهرَتها، وأثقلتِ الكواهلَ بكثرةِ مطالبها، وأرهقتِ الأعصابَ بتشعُّب حاجاتها، حتى صار التحابُّ من أجلِها والتباغُض من أجلها والتواصُلُ لها والتقاطُع لها إلا من شاء الله تعالى فكانت أكبرَ ما يصُدُّ عن الآخرة يقول الله تعالى فى سورة سونس:
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
الطّمَع في الجنّة قائِد، والخَوفُ من النّار زاجِرٌ وسائق. الجنّة حُقَّ أن يطلبَها المسلمُ جُهدَه، ففيها ما لا عينٌ رأَت ولا أذُنٌ سمعَت ولا خطَر على قَلبِ بَشَر عن أسامة بن زيد رضى اله عنه ا قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(ألا هَل مشمِّرٌ للجنة فإنّ الجنةَ لا خَطَر لها هي ورَبُّ الكعبةِ ـنورٌ يتلألأ وريحانَة تهتزّ وقَصرٌ مَشيد ونهر مُطَّرِد وثمرةٌ نضيجَة وزوجةٌ حسناء جميلة وحُلَلٌ كثيرة ومَقامٌ في أبَد في دارٍ سليمَة وفَاكهةٍ وخُضرة وحَبرة ونِعمَة في محَلَّةٍ عالية بهيَّة)
قالوا نعَم يا رسولَ الله نحن المشمِّرون لها قال:
(قولوا إن شاءَ الله) فقال القوم إن شاء الله
وعن أبي هريرةَ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(بِناءُ الجنة لبنةُ ذهَب ولبنَة فِضّة، وملاطُها المِسك وهو ما يكون بين اللَّبِن وحصباؤُها اللّؤلؤ والياقوت وترابُها الزّعفران ومَن يدخُلها ينعَم ولا يبأس ويخلُد ولا يموت ولا تبلَى ثيابُه ولا يفنى شبابُه)
وعن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:
(إنّ للمؤمنِ في الجنّةِ لخيمةً مِن لؤلؤةٍ واحِدة مجوّفة، طُولُها في السّماءِ سِتّون ميلاً، للمؤمِن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمِن، فلا يَرى بعضُهم بعضًا)
وأمّا شرابُهم فكماجاء فى قوله جل وعلا:
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وعن أبي هريرةَ رضى الله عنه قال قالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم في تزاوج أهلِ الجنّة:
(يضَع أحدُهم يدَه بَين كتفَيها، ثم ينظُر إلى يده من صدرِها من وراءِ ثِيابها وجِلدِها ولحمِها، وإنّه لينظُر إلى مُخِّ ساقِها كمَا ينظُر أحدكم إلى السِّلك في قصَبةِ الياقوت، كبِدُه مرآةٌ لها، وكبدُها مِرآة له)
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال:
(إنّ أسفلَ أهل الجنّةِ أجمعين مَن يكون على رأسِه عشرةُ آلاف خادِم معَ كلِّ خادمٍ صحفتان واحدةٌ من ذهَب وواحدةٌ من فضّة، في كلّ صَحفةٍ لونٌ ليس في الأخرى مثلُها، يأكل من آخرِه كما يأكل من أوَّله، يجِد لآخرِه من اللذَّة والطّعم ما لا يجِد لأوّلِه، ثم يَكونُ فوقَ ذلك رشحُ مِسكٍ وجُشاء مِسك، لا يبولون، ولا يتغَوّطون، ولا يمتخِطون)
وقد وصَف الله تعالى ما في الجنّةِ من النعيمِ المقيم في كتابِه بما لم يُوصَف في كتابٍ منزَّل، ووصف ذلك رسولُ الله بما لم يصِفه نبيّ لأمته لنعمَلَ بأعمالِ أهلِ الجنّة ولنسارعَ إلى الخيرات ونطلبَ جنةَ ربِّنا بجُهدَنا، ونَسأل الله تبارك وتعالى أن لا يكلنا إلى أنفسنا، ونَسأل ذلك من ربِّنا.
وأعظمُ مِن نعيم الجنة رضوانُ ربِّ العالمين على العبد، والنّظرُ إلى وجهِهِ الكريم يقول تبارك وتعالى فى سورة التوبة:
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وأمّا النّار وما أدرَاك ما النّار، فهي مثوَى الأشرارِوالطالحين ومكانُ الخُبث والذِلّة والخزيِ والصّغاروالعار بعيدةُ القَعر لو أنّ الحَجرَ يُلقى من شَفيرها ما أدرَك لها قَعرًا سبعين خريفًا.
شديدةُ الحرّ
(نارُ الدّنيا جزءٌ واحِد مِن سبعين جزءًا مِن نارِ جَهنّم)
طعامُ أهلِها الزّقّوم من شجرةٍ تنبتُ في أصل جهنّم، يأكل منها أهل النار ويشربون عليها من الحميم، وطعامهم الضّريعُ لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، خبيثُ الطّعم، مُرُّ المذاق، شديدُ الحرارَة، ينشَبُ في الحَلق فلا يسيغه إلى جوفِه إلاّ بالماءِ البالِغ الحرارة، فإذا وصل إلى الجوف قطَّع الأمعاء والعياذ بالله.
ومِن شَرابهم المُهلُ والغسّاق وهو الصّديد من القيحِ والدّم، ولباسُهم القطِران والحديد قالالعلى القديرفى سورة الحج:
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
عَن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: (إنّ في النارِ حيّاتٍ ـ أي ثعابين ـ كأمثالِ أعناقِ البُخت تنهَش الرّجل، فيجِد حَرَّ سُمِّها سبعينَ خريفًا)
وفيها العقارب التي وصفها النبي كأنها الخيل الدهم.
قال عز وجلّ فى سورة التوبة:
وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، ونفَعنا بهديِ سيّد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين ونصلى ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلام عليه دائمين إلى يوم الدين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
ثم أما بعد إعلم غفر الله لى ولك وجعل الجنه بعد موتك مثواك وجافى ربى القبر بعد موتك علىجنباك وكان لك روضة ً من رياض الجنه وفوزتم بجنة الرضوان وكانت الفردوس فيها لكم عنوان والحور فيها زوجان ولحم الصير طعامكم فى الجنان طبنم وطاب ممشاكم وبعد اخى الكريم عيا بنا نعيش لحظات من العمر فى إرضاء إلله رب العالمين ونرى ما قال سيد المرسلين صلىاله عليه وسلم فى ما قال
فقد روى الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في آخر يوم من شهر شعبان قائلاً:
(يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من اقترب فيه بخطوة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة)
بعد أيام قلائل يطل علينا شهر عزيز على قلب كل مؤمن شهر الخير والبركة، شهر القُرَب والعبادة إنه شهر رمضان المبارك، فيه تتفتح خزائن الفضل والرحمة والإحسان وتقبل ليالي الجود والعقل والغفران، بعد أيام قلائل يتهيأ المؤمنون للعبادة المتواصلة، ويخلصون لله الطاعات، بعد أيام قلائل يمتحن المؤمنون امتحاناً شديداً لما سيشاهدون من معاصي وتحديات خلال هذا الشهر المبارك، إن هذا الشهر شاهد يوم القيامة بالإحسان لمن أحسن، وبالإساءة لمن أساء، والعاقبة للمتقين، فطوبى للصائمين والويل للمفطرين والمجاهرين.
يتساءل البعض متى يبدأ رمضان؟
مقا هو الان فى طريقه اليكم فهل انتم له منتظرون وهل انتم فى هذا شهر كنتم له ذاكرون وكنتم على دربه صائمين؟
الاجابة عهنا نتركها لمن وضح لنا ذلك ونقول أننا لانملك حق الاجابة إلا بعد أن نتعلم
منه صلى الله عليه وسلم ذلك
لأنه يقول عليه الصلاة والسلام:
(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)
فالذين يعلنون عن بدء شهر رمضان في هذه الأيام قد جانبهم الصواب لأنهم اعتمدوا على الحسابات الفلكية فقط ونحن نقول بأن الرؤية الشرعية لا بد من تحققها في تلك الليلة ولا مانع من الاستئناس بالحسابات الفلكية.
ثم نلفت نظر الإخوة بالنسبة للأذان أنه يتم الإمساك فوراً عند سماعه
لقد جهل البعض الحكمة من مشروعية الصوم وتوهموا بأن الصوم هو الجوع والعطش ولم يدركوا بأن الصوم هو تقوى القلوب هو تثبيت الإيمان بالله رب العالمين القائل سبحانه وتعالى فى سورة البقره:
ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي لعلكم تخافون الله، فتبادرون إلى طاعته وتسارعون إلى طلب مغفرته، وفي آية أخرى ذكر الله عز وجل: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، فالإسلام قد أحاط الصوم بإطار من التقوى لأن الصوم الحقيقي يجعل المسلم في جو إيماني مؤثر، يدفعه إلى الاستقامة والطهارة طيلة الساعات التي يقضيها صائماً عابداً كما أن آية الدعاء جاءت في وسط آيات الصوم للدلالة على أن دعاء الصائم مستجاب عند الله
فهل صحيح أن الصوم شرع لشراء ما لذّ وطاب من الأطعمة والأشربة؟
ونوضح ذلك جلياً ونقول
إن الصوم عبادة وسمو روحي
وأما الطعام فهو وسيلة لا غاية وطلب منا رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بأن لا نملأ معداتنا بالطعام بقوله صلى الله عليه وسلم:
(ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه)
وهل يقوله الجاهلون البعيدون عن لذة الايمان من أن شهر رمضان هو شهر كسل وخمول؟ لا، إنه شهر نشاط وعمل واندفاع للخير وهمة وعبادة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره) وفي العشر الأواخر أشد، وكان يحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشد المئزر
ونحن نعلم بأن شهر رمضان يُعرف بشهر الانتصارات لأن المواقع المهمة المفصلية قد وقعت في شهر رمضان وكان النصر فيها للمسلمين بحمد الله وتوفيقه وعونه.
يا من تستقبلون شهر رمضان المبارك، قد نشاهد من بعض الصائمين من يتظاهر بالغضب والنرفزة وضيق الصبر مدعين بأن ذلك ناتج عن الصوم فهل هذا صحيح؟
والجواب:
إن الصوم في حقيقته إرادة إنسانية وجهاد للنفس، يؤدي إلى السمو والهدوء والاستقرار والطمأنينة، والذين يتظاهرون بالغضب والنرفزة أثناء الصوم يتصفون بالنفاق والرياء والخداع وضعف الإرادة.
يا من تستقبلون شهر رمضان المبارك، يتوهم بعض المسلمين بأن الصوم هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فقط
فهل هذا صحيح؟؟
وونقول
لم يكتف الإسلام من الصوم أن يكون الامتناع عن الأكل والشرب والجماع فقط بل أوجب الامتناع عن المعاصي، والكف عن الآثام كالكذب والغيبة والنميمة وقول الزور والخوض في أعراض الناس، وأوجب ديننا العظيم حفظ اللسان عن فحش الكلام وأرذله.
هناك عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي توضح ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم:
(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)
وقوله عليه الصلاة والسلام:
(ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم)
وفي الحديث القدسي قال الله عز وجل:
(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة)
جُنّة أي وقاية من المعاصي في الدنيا ووقاية من النار في الآخرة
(والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم)
إذاً ما فائدة صيام من يفحش بكلامه ويؤذي الناس بلسانه؟
وقد أجاب رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بذلك:
(رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش)
وفي رواية:
(كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)
وما بالكم يا مسلمون في من يسب الدين والرب والعياذ بالله، وهو صائم!! فهل يبقى مسلماً؟ إنه يخرج عن الإسلام وبئس المصير والله غني عن العالمين سواء كان صائماً أو غير صائم.
يا من تستقبلون شهر الصيام، توبوا إلى الله رب العالمين توبة نصوحاً لعلكم ترحمن، ها قد أطل عليكم شهر التوبة والمغفرة والعبادة فأحسنوا صيامه وقيامه، وضاعفوا فيه الطاعة وحافظوا على حرمته، وتزودوا لآخرتكم فإن خير الزاد التقوى جاء في الحديث الشريف أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قال:
(سبحان الله نصف الميزان والحمد لله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض والطهور نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر)
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من المستغفرين التائبين وصلى الله على رسول رب العالمين
الحمد لله الذي جعل الصّيامَ جُنّة وسببًا موصِلاً إلى الجنّة، أحمده سبحانه وأشكره هدى ويسّر فضلاً مِنه ومِنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، دلّنا على أوضحِ طريقٍ وأقوم سُنّة صلّى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابِه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا كثيرًا.
فاتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى
ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
‘حبتى فى الله نسأل الله العلى العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا فيكم
ويبارك فى دينكم واعمالكم
وغفر لنا ولكم وجعل قبوركم روضةً وانطقكم كلمة التوحيد عند موتكم
وجعل لكم من عملكم ما يؤنس وحدتكم فى قبركم وينير لكم ظلمته
وان يجعل الجنة مثواكم ووطناً لكم
ومن الفردوس الاعلى سكناً وعنواناً ومن الحور زوجات ومن لحم الطير إطعامات ومن يد نبيكم شربات و إلى وجه ربكم ناظرين
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإن تقوى الله هي خير مخرج وأقوى منهج، وهي مفتاح الخيرات ومعدن البركات يقول جل وعلا فى سورة الطلاق
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
أيها المسلمون، من الظواهر التي لحظها أغلب الناس اليوم واتفقت فيها كلمة أكثرهم حتى لا يكاد يختلف فيها اثنان قلّة البركة في الأموال والأولاد
وعدم الانتفاع بالأرزاق والأبناء حتى إن الرجل ليكون مرتّبه عاليًا ودخله جيدًا وأبناؤه عُصْبَة من الرجال الأقوياء الأشداء ثم تراه يقترض ويستدين، ويعيش في بيته وحيدًا أو مع زوجه العجوز لا أحد من أبنائه يحدب عليه أو يلتفت إليه. ولربما دخل كثير من الناس السوق وجيبه مليء بالمال، فلا يخرج إلا وهو صفر اليدين أو قد تحمَّل شيئًا من الدَّين، وعندما ينظر فيما أتى به من أغراض وحاجات لأهله لا يجد إلا أشياء كمالية صغيرة، يحملها بين يديه بلا عناء ولا تساوي ما أنفق فيها من مال.
وإن هذا الأمر ليس قضية عارضة أو مسألة هينة
بل هو في الواقع يشكل ظاهرة ملموسة وقضية محسوسه، ويعد منحنى خطيرًا في حياة المجتمع المسلم، يجب على كل فرد أن يدرسه ويتعرف أسبابه
ويبحث عن حله الناجح وعلاجه الناجع، فيأخذ به ويقي نفسه، لعل الله أن ينجيه مما ابتلي به غيره من الناس، أو مما قد يكون هو نفسه مبتلى به.
أيها المسلمون، إننا يجب أن نعلّق أنفسنا بهذا الدين العظيم الذي ندين الله عز وجل به في كل أمورنا، يجب أن نرتبط به في جميع مناحي حياتنا، وأن ندرس تحت مظلته قضايانا، ونحل به مشكلاتنا، وأن نعلم أننا مهما تمسكنا به وعضضنا عليه بالنواجِذ فلن نضل ولن نشقى بتوفيق الله، وأننا بقدر ما نبتعد عنه أو ننحرف عن صراطه المستقيم أو نتخلّى عن تعاليمه السمحة المباركة أو نتهاون بها فإننا نهوي إلى مكان مُوحِش سَحِيق، ونلقي بأنفسنا في مجاهل من المستقبل المتردّي الذي لا يعلم ما يكون عليه إلا الله.
يُقال هذا الكلام ونحن قد رأينا الناس في الماضي القريب بل القريب جدًا، عندما كان قدر دينهم في قلوبهم أقوى وأعلى ومكانته في نفوسهم أمكن وأسمى، إذ ذاك كانت أرزاقهم سهلة ميسورة، والخيرات والبركات بينهم منشورة كان راتب أحدهم قليلاً ومعاشه ضئيلاً، ولكنه كان يسد حاجته ويمنعه الفاقة، ويكفيه ذل سؤال الناس واستجدائهم بل كان يوفر منه ويدّخر شيئًا كثيرًا يجده عند الشدائد والملمات وينفعه الله به عند المضائق والكربات ثم ما زالت الرواتب تزداد والبركة تقل والمعاشات ترتفع ومستوى المعيشة ينخفض في ظل هذه الحضارة المادية البحتة التي ازداد الناس فيها علمًا بظاهر الحياة الدنيا وأصبحوا عن الآخرة هم غافلون فقلّت البركة فيهم ونُزِعت من أموالهم، حتى أصبح الذي بالأمس تكفيه ألف ريال في شهره ينفق الآن ثلاثة آلاف أو أكثر في أسبوع أو أسبوعين
ثم يظل بقية شهره لا يجد شيئًا مما يضطره للاستدانة من الآخرين أو سؤالهم، وكلاهما أمران أحلاهما مُرّ عَلْقَم.
ولذا كان لا بد أن نتأمل أحوالنا، ونراجع أنفسنا، وأن نعود إلى ديننا
ونتوب إلى ربنا، لعله سبحانه أن يرحمنا رحمة من عنده واسعة
يغنينا بها عن رحمة من سواه. وإنه لا بد مع ذلك أن نتعرف الأسباب التي بها نُزِعت البركات وقلّت الخيرات، حتى نعالجها ونتخلص منها.
ومن تلك الأسباب بل هو أهمها وأقواها ضعف الإيمان في النفوس وانعدام التقوى من كثير من القلوب، حتى عاد كثير من المسلمين لا يرجون لله وَقَارًا، فعصوه ليلاً ونهارًا، وخالفوا أمره سرًا وجهارًا، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا.
فقد أصبح أكثر الناس اليوم لا يقيمون لأوامر الدين ونواهيه وزنًا ولا يعطونها اهتمامًا ولا قدرًا بل لقد أصبح بعضهم لا يلقي لها بالاً بالكلية إذ تأتي عنده في المرتبة الأخيرة من اهتماماته وتجيء في مؤخرة أولوياته.
هيا بنا نتوقف قليلاً عند أمر هام ألا وهى الصلوات الخمس أهمّ أركان الدين العملية كيف تجرّأ كثير منا اليوم على تركها وتهاون بأدائها
وكأنها عنده أمر اختياري عادي، يخضع لهوى نفسه ورغباتها. كم هي نسبة الذين لا يصلون الفجر في وقتها ومع الجماعة؟
وكم عدد الذين يتركونها بالكلية؟
وكم تبلغ أعداد الذين يسلمون أنفسهم للنوم بعد الغداء فلا يصلون العصر إلا كفعل المنافقين المستهزئين؟
وأين من التقوى والإيمان ـ أيها الإخوة ـ من يرفع أطباق الشر على سطح منزله، ويدخل فيه أجهزة اللهو والباطل، تغذي أبناءه بالشر والرذيلة، وتقتل في نفوسهم الحياء وتئد الفضيلة؟! ووالله لو صدق كل منا مع نفسه وحاسبها محاسبة صادقة لوجد أخطاء لا يحصيها العَدّ، ولا يبلغها الحَدّ، لسنا بحاجة إلى تعدادها والتفصيل فيها، فكل أدرى بنفسه وأخبر بحالهكما جاء فى قوله تعالى فى سورة القيامه
بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ
واعلم غفر الله لى ولك أنمن أسباب قلة البركات ونزعها تعلق الناس بالمال والدنيا وغفلتهم عن المآل والأخرى، حتى لقد أصبح كثير منهم يوالي في المال ويعادي فيه، ويحب له ويبغض من أجله ويرضى إن أعطي ويسخط إن منع
إعلم لأنه أعلى ما يرضي الله تعالى طاعتة واعلم أن سبيل الشيطان وإغراق في المعصية وتفريق بين الأخ وأخيه وابن العم وقريبه؟
إنه لا يستطيع أحد من المتهاجرين المتصارمين أن يقول: إنه هجر أخاه لأنه لا يصلي، ولا يقدر أحد من المتخاصمين المتقاطعين أن يدعي أنه أقام على من خاصمه دعوى لأنه عاص لله، إذًا فمن أين ننتظر حلول البركة في أموالنا وأرزاقنا ونحن قد جعلنا هذا المال هدفنا ومُبْتَغَانا؟
من أين ننتظر البركة ونحن قد أصبحنا عبيدًا للمال خدمًا لسلطانه؟
من أين تأتينا البركة وقد أصبح المال محركنا وهو الذي يسكننا وهو الذي يرضينا ويسخطنا؟! من أين تأتي البركة وصاحب الفضل يبخل بفضله والغني يمنع خيره ولا يمنح رِفْدَه؟!
يا لها من تعاسة ما أشدها على الأفراد والمجتمعات ويا لها من انتكاسة ما أقوى أثرها على القلوب والنفوس قال صلى الله عليه وسلم :
(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعْطِي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)
يا له من حديث ما أعظم شأنه وما أصدق برهانه! ويا له من واقع ما أقرب معايشتنا له! هل ترون هذا الحديث منطبقًا إلا علينا؟
وهل ترون تفسير معناه إلا ما يجري الآن في واقعنا؟! وإلا فأي تعاسة أكبر وأشد وأبلغ من تعاسة إخوة أشقاء لا يسلّم أحدهم على الآخر، ولا يرى له عليه حقًّا؟
وأي انتكاسة أقوى وأعظم وأطم من انتكاسة جارين مسلمين وقد يكونان ذوي رحم واحدة، ثم لا يرعى أحدهما للآخر حرمة، ولا يقوم له بواجب؟
إنها والله لمصيبة وأي مصيبة، أن يكون ذلك من أجل الدنيا وطمعًا في نيل أكبر قدر منها، ثم لا يحصل العبد منها إلا ما كتب له بعد أن يكون قد اكتسب الآثام والذنوب العظام، واجترح السيئات وارتكب الموبقات
وأذهب بركة رزقه، وفقد طعم ماله
وضيّع وقته وأفسد مآله.
عن حكيم بن حزام رضى الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال: (يا حكيم هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس يعنى بجشع وعلو وتكبر لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع) .
ألا ما أشد انطباق هذا الحديث على المسلمين مجتمعات وأفرادًا في هذا الزمان! وما أقرب معناه من واقعهم المؤلم المُزْرِي! حيث جمع أكثرهم المال بإشراف نفس وطمع، وأخذه آخرون بشَرَه وتطلّع، فأفنوا من أجله الأعمار، وأذهبوا في طلبه الأوقات، بل ونسوا في سبيله الطاعات، وذُهِلوا عما خُلِقوا من أجله من العبادات ووقعوا في الموبقات والمهلكات، يكذبون في بيعهم ويغشون، ويحلفون الأيمان الكاذبة ويخادعون، ويرابون ويرتشون ويشهدون الزور، كل ذلك طمعًا في الاستزادة من المال، فمن أين تأتي لمثل هؤلاء البركة؟! قال :
(البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا فإن صدق البيعان وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحًا ويمحقا بركة بيعهما) ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم(اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)
وقال : (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب)
وفي لفظ:
(ممحقة للبركة) وقال فداه كل كاذب وحلاّف:
(إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق))، وقال عليه الصلاة والسلام:
(اليمين الفاجرة تذهب المال أو تذهب بالمال)
ومن أسباب عدم البركة ـ أيها الإخوة ـ البخل والشح وعدم الإنفاق في سبل الخير وأوجه البر، قال سبحانه جل شأنه فى سورة سبأ:
(ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تَلَفًا)
وقال عليه الصلاة والسلام :
(يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك).
فكيف يبتغي البركة وهو بخيل ممسك تدعو عليه ملائكة الرحمن بالتلف؟
وكيف ينتظر البركة شحيح نحيح لا يفعل خيرًا ولا يدعى له بخير؟
ألا فلا نامت عين كل هَلُوع مَنُوع، جَمّاع للمال مَنّاع للخير معتد أثيم لا يرقب فى الحلال حلال
ولا يعرف عن الحرام حُرمةً، يحسب أن بركة المال في وفرته وما علم أن بركته في الانتفاع به وهو ما لم يذقه هو ومن على شاكلته.
ومن أسباب عدم البركة أكل المال الحرام وتناوله والاستهانة بذلك أخذًا وعطاءً وقد كثر في هذا الزمان ذلك المنكر العظيم واتسع فيه الخرق على الراقع، في معاملات الناس فيما بينهم وفي التخوض في أموال إخوانهم العامة بغير حق فكم من المصارف الربوية التي توقع الناس في الربا من حيث يشعرون أو لا يشعرون فيما يسمى بعمليات التقسيط والمرابحة أو فيما يدعى بالفوائد البنكية، وكم من قنوات الشر والفساد والإفساد وجرائد الشر والفتنة ومحلات الجشع والطمع من يبتلون المسلمين بمسابقات الميسر والقمار وكم من التجار من يتعامل بالربا الذي لا مرية فيه، وكم من الموظفين والعمال من يأخذ الأجر ولا يقوم بالعمل كما ينبغي وكم من الناس من يتلاعب بأموال المسلمين ومقدراتهم سواء بأخذ الرشوة جهارًا نهارًا أو الاقتطاع من مستحقات المشروعات والمرافق العامة
أو بأخذ ما لا يستحقه من انتدابات أو زيادات أو أراض ومنح في البلديات. أفلا يكون ذلك سببًا في نزع البركات وقلة الخيرات
والتي من أبرز معالمها الواضحة عدم استجابة الدعاء؟
وقد قال سبحانه في الربا كما جاء فى سورة البقرة:
يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وقال عليه الصلاة والسلام:
(ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة)
وفي رواية أخرى
(الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قِلّ)
ألا فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ وأطيعوه، وتقربوا منه وارجوا رحمته، وخافوا منه واخشوا نقمته، فإنه لا نجاة إلا بطاعته، ولا سعادة إلا في التقرب منه، واعلموا أن الدنيا زاد قليل وظل زائل، لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وليست أهلاً لأن يجعلها المرء هَمّه، فإن الله يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب، ولكنه لا يعطي الآخرة إلا لمن يحب يقول سبحانه وتعالى فى سوره الملك قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ
الحمد الله على إحسانه والشكر له على تفضله وامتنانه وأوحده وأستغفره وأثني عليه تعظيماً لشانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه
أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل وخوفه ورجائه ومحبته بقلوبكم وجوارحكم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .
غفر الله لى ولكم وطبتم وطال ممشاكم واتخذتم الجنةَ بعد الموت وطناً وكانت لكم الفردوس سكناً ومن الحور زوجاً
ووجدتم فيها لحم طير وكل ما تشتهون لذا غفر الله لكم وحدوا ربكم وأطيعوا رسولكم بما اقول لكم تفوزون
و إعلموا إن حق الله علينا عظيم وكبير فمن الذي خلقك وسواك
ومن الذي أنعم عليك وأعطاك؟
ومن الذي وهب لك العيون والأرجل والأيدي ومتعك بالعافية وأعطى السمع والعقل
ومن الذي أجرى فيك الدم وسخر لك الخلايا والعروق والأعصاب والأنسجة
ومن الذي شفاك بعد المرض وأحياك بعد الموت؟
ومن الذي ترجوه أن ينجيك من النار ويهب لك الجنة فتسعد بها سعادة لا تشقى بعدها أبداً؟
أيها الأحبة إننا اليوم نعيش في زمن تصادقت وماجت وتعلقت فيه الآراء والأفكار لعضها ببعض وتغيرت فيه كثير من
الثوابت والمفاهيم زمن شبهات منشورة وشهوات مسعورة يقرع بها أعداء الله أسماع العباد ليلا ونهارًا ويعرضونها أمام أعينهم صغارًا وكبارًا، زمن تحديات متطاولة وتساؤلات مثيرة، وإيرادات شيطانية وحجج إبليسية، يوردها أهل الكفر على قلوب كثير من ضعفاء الإيمان، وينقلها أرباب الفتنة ليتلقّاها مَطْمُوسُو البصائر ممن حُجِبوا عن نور الوحي بظلمات
الفتن المرئية والمسموعة، فانتكست فطرهم، وأظلمت أرواحهم، فعادوا لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، بل أصبحوا دعاة سوء وحملة أفكار خبيثة، يرون المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويدافعون عن منكرهم بكل ما أوتوا من قوة السِّنان وسحر البيان.
وإنه لا أحد منا ـ أيها الإخوة ـ إلا وهو بأمس الحاجة إلى ما يشد أزره، ويرسي قدمه، ويزيد من إيمانه، ويقوي يقينه بالله؛ ليرسو أمام الفتن، ويثبت أمام الشهوات. وإنه لا تقوية لأَزْرٍ ولا رسوخ لقدم ولا أُنْسَ لنفس ولا تسلية لروح ولا ثبوت لمُعْتَقَد ولا تحقيق لوعد ولا أمن من عقاب ولا بقاء لذكر إلا بأن يتجه المرء بكل أحاسيسه ومشاعره إلى كتاب ربه، ويقبل بقلبه وقالبه على تلاوته وتدبره، يتعلمه ويعمل به، ويرتوي من معينه المعين، ويصدر عن أحكامه المحكمة، فإنه كتاب مبارك مبين، أنزله الله على رسوله الأمين، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
أيها المسلمون، إن لزوم القرآن وتعاهده في كل يوم وليلة، بل إن تعاهد النفس به في كل وقت وحين لضرورة حتمية على كل مسلم ومسلمة، للداعية الذي يهدي إلى صراط مستقيم، للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، للوالي في مملكته والملك على عرشه، للموظف في دائرته وللمعلم في مدرسته، وللطالب والطالبة على كراسي الدراسة ومقاعد التعلم، بل ولكل مسلم صغر شأنه أو كبر، يقول سبحانه لنبيه : اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، ويقول على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام كما جاء فى سورة النمل:
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ
وامتدح الله الذين يتلونه ويقيمون الصلاة وينفقون فقال سبحانه وتعالى فى سورة فاطر: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
وقد تكفّل سبحانه لمن قرأ القرآن واتبع ما جاء فيه أن لا يضلّ ولا يشقى قال سبحانه جل شأنه فى سورة طه:
فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (تكفَّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة).
وكما تكفل الله عز وجل بذلك ووعد به وهو لا يخلف الميعاد فقد أنذر من خطر نسيان القرآن وضياعه والإعراض عنه وهجره قال سبحانه وتعالى فى سورة طه:
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى
وقال جل وعلا فى سورة الأعراف:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
وقال سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فى سورة الفرقان :
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا
وكما أنذرنا سبحانه من نسيانه وهجره فقد أنذرنا من العدول عنه في الحكم والتحاكم إلى غيره، قال سبحانه فى سورة النساء:
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
وقال جل وعلا كما جاء بسورة المائدة:
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وأنذرنا سبحانه كذلك من إعمال بعضه وترك بعضه بقوله مهدّدًا قومًا أنزل عليهم الكتاب فأعملوا بعضه وتركوا بعضه فقال جل وعلا فى سورة البقرة:
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فاتقوا الله أيها المؤمنون وخذوا كتاب ربكم بصدق تمنحوا كنوزه وتشرفوا بشرفه، ويتحقق لكم وعد الله في قوله سيحانه فى سورة يونس:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
واحذروا أن يكون في صدوركم حرج أو تردد عن التحاكم إلى كتاب الله جل وعلا، وسلموا تسليمًا، فقد قال جل وعلا فى سورة النساء:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
إن القرآن الكريم كلام الله ووحيه وأفضل كتبه أنزله على خيرة خلقه وخاتم رسله، ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور لم ينزله تبارك وتعالى ليُتْلَى باللسان تلاوة مجردة عن التدبر والفهم منفصلة عن العلم والعمل، ولا ليكتب على لوحات وملصقات تزين بها الجدران ومداخل البيوت ومجالسها، لم ينزله سبحانه ليُكتب في حُجُب وحُرُوز وتمائم تعلق على الأكتاف وفي الرقاب؛ لتُدفَع بها العين، ويُرَد بها البلاء ما أنزل القرآن ليُقرأ على الموتى والأضرحة، أو في المناحات المبتدعة باسم العزاء ولا لتُفتتح به برامج الإذاعات لربع ساعة أو نحوها ثم يتلوه العزف والغناء والطرب والغثاء! إنما أُنزِل ليُقرأ وليُتدبَّر وليتذكر به مَن يتذكر
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ
ولكن الناس انشغلوا اليوم عن هذا الكتاب، واتخذوه وراءهم ظِهْرِيًّا فالكبار انشغلوا عنه بأعمالهم وأموالهم والصغار التهوا عنه بالكرة واللعب واستماع الغناء ومشاهدة القنوات ومتابعة المسلسلات والمباريات، والمدارس النظامية لا تعطيه في الغالب وقتًا كافيًا ولا عناية لائقة، ومعلموه إما أن يكونوا من أجهل الناس به قراءة وفهمًا، وإما أن يقصّروا في تدريسه وتعليمه لطلابهم، مما أدى إلى جهل كثير من الناس بهذا القرآن وابتعادهم عن أحكامه، حتى إنك لتجد منهم من يحمل أكبر الشهادات الدراسية في علوم الدنيا، فإذا سمعته يقرأ ظننته عاميًا لكثرة لحنه وخطئه، مما أقضّ مضاجع الغيورين على هذا الكتاب العزيز، فأسسوا الجمعيات الخيرية للعناية به وتنظيم تعليمه، ونشروا الحلقات في كل مسجد لتحفيظه وتجويده، وبنوا الدور الخيرية لتدريسه وربط الناس به، فجزى الله أهل القرآن خير الجزاء على ما يبذلونه من خدمة كتاب ربهم وربط الناس به، فإنهم قد بذلوا ما في وسعهم لتعليم كتاب الله، وهيئوا الحلقات والدور بكل ما يلزمها وتحتاجه، نصبوا فيها المعلمين والمعلمات، ووفروا المصاحف والأشرطة والسجلات، ودعموها بالجوائز والمحفزات، ولم يبق إلا دور الآباء وأولياء الأمور والمواطنين والطلاب، وهو دور عظيم بلا شك، إن لم يقوموا به خير القيام ويتحملوا المسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه كتاب ربهم فمن يقوم به ويتحمل المسؤولية؟
إن كل إنسان في هذا المجتمع صغر أو كبر عليه جزء من المسؤولية تجاه كتاب الله جل وعلا وتجاه حلقات التحفيظ ودور تعليم القرآن، فالمعلم عليه الصبر واحتساب الأجر والثواب، وتنويع الطرق وبذل ما في وسعه لتحبيب كتاب الله إلى طلابه، والطالب عليه الجد والمثابرة والاجتهاد والإخلاص لله في الحفظ والتعلم، وولي الأمر والأب عليه تشجيع أبنائه، وحثهم على الاستمرار في حفظ كتاب ربهم وقراءته وتجويده، وتهيئة الجو المناسب لهم ليقبلوا على الحفظ والمراجعة، والمواطن الآخر عليه دعم الحلقات ودور التحفيظ بماله وجاهه.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من أهل القرآن، فإن لله أهلين وخاصة، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته.
إستمع إن شئت إلى قوله تعالى فى سورة الأنعام
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ
أسأل الله أن يجعل ماكتبت في ميزان حساناتك ..
في كل جمعة يتجدد اللقاء وفي كل جمعة نخرج بمجموعه من الفوائد ..
جزاك الله عنا كل خير .. وواصل نشر علمك الطيب ونحن متابعون لكل جديد وإن قصرنا
بالرد والمشاركه ولكن كن على يقين بأن الفائدة وصلت ..
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن للصيام آداباً كثيرةً، ومن تلك الآداب: أن يقتصدَ الصائمُ في طعامه وشرابه.
ومما يلحظ على بعض الصائمين -بل على أكثرهم- أنهم يجعلون شهرَ رمضانَ موسماً سنوياً للموائد الزاخرة بألوان الطعام، فتراهم يُسرفون في ذلك أيّما إسرافٍ، وتراهم يتهافتون إلى الأسواق؛ لشراء ما لذّ وطاب من الأطعمة التي لا عهدَ لهم بأكثرها في غير رمضان.
والنتيجة من وراء ذلك: إضاعةُ المال، وإرهاقُ الأبدان في كثرة الطعام، وثِقَلُ النفوس عن أداء العبادات، وإهدارُ الأوقات الطويلة بالتسوّق، وإعداد الكميّات الهائلة من الأطعمة التي يكون مصيرُها في الغالب صناديقَ الزِّبل.
إن هذا الاستعدادَ المتناهيَ الذي يقع فيه أكثر المسلمين لرمضان بالتفنن والاستكثار من المطاعم والمشارب مخالفٌ لأمر الله منافٍ لحكمة الصوم، مناقضٌ لحفظ الصحة، معاكسٌ لقواعد الاقتصاد.
ولو كان هؤلاء متأدبين بآداب الدين لاقتصروا على المعتاد المعروف من طعامهم وشرابهم، ولأنفقوا الزائد في طرق البر والإحسان التي تناسب رمضان من إطعام الفقراء واليتامى والأيامى و تفطير الصّوام المعوَزِين، ونحو ذلك.
والغالب أن يكون لكل غنيٍّ مسرفٍ من هذا النوع جارٌ أو جيران من الفقراء والمساكين، وهم أحق الناس ببر الجار الغني، وإن لم يكن لهؤلاء الأغنياء جيرانٌ من هذا النوع فإنه يحسن صرفها في وجوه الخير.
ولو فعل الأغنياء المسرفون ذلك لأضافوا إلى قربة الصوم قربةً عظيمة عند الله، ألا وهي الإحسان إلى المعدَمين، وللقيام بهذه الخصلة من الخير مزيّة في المجتمع؛ لأنها تقرب القلوبَ في هذا الشهر المبارك، وتشعر الصائمين كلَّهم بأنهم في شهر إحسان، ورحمة وأخوَّة.
ثم إن الإنسان لو طاوع نفسَه في تعاطي الشهوات، و التهام ما حلا من المطاعم وما مرّ، وما برد منها وما حرّ، وطاوع نفسه باستيفاء اللذة إلى أقصى حد لكانت عاقبةُ أمره شقاءً ووبالاً ونقصاً في صحته واختلالاً، ولكانت الحميةُ في بعض الأوقات واجباً مما يأمر به الطبيب الناصح تخفيفاً على الأجهزة البدنية، وادخاراً لبعض القوة إلى الكِبَر وإبقاءً على اعتدال المزاج، وتدبيراً منظماً للصحة.
وإن ذلك لهو الحكمة البارزة في الصوم، فكيف يُقْلَبُ الأمر رأساً على عقب؟
ويجعلَ من شهر الصوم ميداناً للتوسع في الأكل والشرب؟
قال الله - عز وجل :
( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ).
قال بعض العلماء :
(جمع الله بهذه الآيةِ الطبَّ كلَّه )
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه )
أيها الصوام: لا يخفى على عاقل ما للتوسع في المآكل والمشارب من عواقب وخيمة على دين المرء ودنياه زيادةً على ما مضى؛ فهو مما يورث البلادة، ويعوق عن التفكير الصحيح، وهو مدعاةٌ للكسل،وموجبٌ لقسوة القلب، وهو سببٌ لمرض البدن، وتحريك نوازع الشر، وتسلُّط الشيطان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )
ولاريب أن الدَّمَ يتولد من الطعام والشراب ولهذا إذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشيطان ولهذا قيل:
( فضيقوا مجاريَه بالجوع )
وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي تُفْتَحُ بها أبواب الجنة وإلى ترك المنكرات التي تفتح بها أبواب النار، وصفِّدت الشياطين فضعفت قوتُهم وعملُهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره ولم يقل:
( إنهم قتلوا ) ولا ماتوا بل قال:
(صفِّدوا ) والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملاً دفع الشيطان دفعاً لا يدفعه الصوم الناقص فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وَفْقِهِ )
قال لقمان عليه السلام لابنه:
(يا بني! إذا امتلأت المعدة؛ نامت الفكرة وخرست الحكمة، وقَعَدت الأعضاءُ عن العبادة )
وقال عمر رضي الله عنه -:
( من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة )
وقال علي - رضي الله عنه -:
( إن كنت بَطِناً؛ فعد نفسك زَمِناً )
وقال ابن القيم - رحمه الله -:
( وأما فضول الطعام: فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ فإنه يحرك الجوارحَ إلى المعاصي ويثقلُها عن الطاعات وحسبك بهذين شراً، فكم من معصية جَلَبها الشبعُ وفضولُ الطعام، وكم من طاعة حال دونها فمن وقي شرَّ بطنه؛ فقد وقي شراً عظيماً والشيطان أعظم ما يتحكَّم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام ).
إلى أن قال - رحمه الله -:
( ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز جل وإذا غفل القلب عن الذكر ساعةً واحدةً جَثَم عليه الشيطانُ ووعده ومنَّاه وشهَّاه وهام به في كل وادٍ؛ فإن النفس إذا شبعت تحركت، وجالت وطافت على أبواب الشهوات وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت )
بل إن الذين يتوسعون في المآكل لا يجدون لها لذةً كما يجدُها المقتصدون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
( فالذين يقتصدون في المآكل نعيمُهم بها أكثرُ من المسرفين فيها؛ فإن أولئك إذا أدمنوها وألِفُوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يصبرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها )
أيها الصائمون الكرام: إذا كان الأمر كذلك؛ فما أحرانا أن نجعل من شهرنا الكريم فرصةً لتوطين نفوسنا على الاعتدال في المآكل والمشارب؛ فالنفوسُ طُلَعةٌ لا ترضى بالقليل من اللذات؛ فإذا جاهدناها؛ انقدعت عن شهواتها، وكفَّت عن الاسترسال مع لذاتها ورغباتها
أما إذا استرسلنا معها، وأعطيناها كل ما تريد؛ فإنها ستقودنا إلى الغواية، وتنزع بنا إلى شر غاية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.